بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله.
الحمد لله المتفرد بالديمومة والبقاء.
الحمد لله ذي الجبروت والملكوت والكبرياء.
الحمد لله يحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء، .
سبحانه ما أعظم شانه، لا إله إلا هو إليه المصير.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي القيوم، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، كانت وفاته أعظم الخُطوب والكلوم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وإخوانه وأحبابه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
أما بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ (عليه الصلاة والسلام) ، وشرُّ الأمورِ محدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أيّها المسلمون، فمعِ حلولِ العامِ الهجري الجديد تمضي بنا الذكرياتُ إلى الوراءِ شيئًا ما, مخترقةً حواجزَ الزمان, لتقفَ بنا على مشارفِ مكة, وهي تشهدُ هجرةَ النبيِ(عليه الصلاة والسلام) وأصحابهِ إلى المدينة. تلك الهجرة التي غيرتْ مسارَ التاريخ, وفاجأت العالم بأحداثِها الضخمة ونتائجِها المُدهشة, فقدْ كانتْ سببًا رئيسًا لقيامِ دولةِ الإسلامِ في المدينة, تلك الدولة التي لم تقفْ عند حدودٍ سياسيةٍ أو خطوطِ تماسٍ مكهربة صنعها المُحتلُ الأجنبي، ولكنَّها أخذتْ في الانتشارِ يمنةً ويسرة, حتى نتجَ عنها دولةُ الإسلامِ العالميةِ, والتي غمرتْ الدنيا بفيضِ نورِها المُشع, وبددتْ الظلامَ المتراكمِ عبرَ السنين, وقدمتْ للبشريةِ أنموذجًا نادرًا للكيفيةِ التي تُبنى من خلالِها الدول، فتتصاغرُ أمامَ ذلك الأُنموذجِ الفريد كلُّ النماذجِ الأُخرى, وما أحوجَ الأُمة اليومَ وهي تُعاني ما تعانيه من تمزقٍ وضعفٍ وتناحرٍ, ما أحوجَها إلى قراءةِ تاريخِها من جديد، ومراجعةِ سيرِ أسلافِها الأولين, لتأخذَ الدروسَ والعبر, علَّها تستعيد ُمجدها الغابر وتاجَها المفقود, فهيهات هيهات أن يصلحَ حالُ آخرِ هذه الأمةِ إلاّ بما صلحَ به حالُ أولِها, فاعتبروا يا أولي الأبصار.
أيها المسلمون، لم تكنْ الهجرةُ الشريفةُ إلى المدينة, لم تكنْ يومًا من الأيام ترفًا ثقافيًا أو سياحةً ومتعة أو استكشافًا لعالمٍ جديد, كلاَّ, لقد كانتْ خيارًا لا مفرّ منه, وحلاً أخيرًا بعد أنْ ضاقتْ بالمسلمينَ أرضُ مكةَ بما رحبت, وتغيرَ عليهم الناسُ, وأصبحتْ بضعُ ركعاتٍ في المسجدِ الحرامِ جريمةً لا تُغتفر, وغدتْ قراءةُ القُرآن رجعيةً وهمجيةً وإرهابًا وتطرفًا, نزلَ جبرائيلُ عليه السلام بأمرٍ من السماء لا يحتملُ التأخيرَ أو التردد: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ،،قُمْ فَأَنْذِرْ ،،وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)
فالقضيةُ جدٌ ليستْ بهزلٍ, والدينُ حقٌ ليس بلعبٍ, فلا مكانَ للخانعين, ولا مكانَ للمتكاسلين, ولا مكانَ للمُعَوِقِينَ المُخذِّلين, ونزلَ جبرائيلُ كذلك بقولهِ جلَّ جلاله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) , فاصدعْ بما تُؤمر ولا تخفْ في اللهِ لومةَ لائم, لا تخف أبا جهلٍ مهما تجبر, ولا تخف أبا لهبٍ مهما تهور, فما هم في الحقيقةِ إلاَّ أقزام لا يملكون حولاً ولا طولاً, ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.
فلبَّى عليه الصلاةُ والسلامُ النداء, وشمَّرَ عن ساقِ الجدِّ بكلِّ قُوة, وأسفرَ عن شجاعةٍ وبطولةٍ نادرتين, فما تركَ جبلاً إلا صعدَه, ولا واديًا إلا هبطَه, ولا شِعبًا إلا سلكَه: ((يا أيَّها الناسُ، قُولوا: لا إله إلا اللهُ تُفلحوا)), كلمةُ التوحيدِ العظيمةِ, ظلَّ يرفعُ بها صوتَه ثلاثةَ عشرَ عامًا غيرَ هيابٍ ولا وجلٍ, يصرخُ بها في كلِّ مجمعٍ من مجامعهم, وكلِّ مُنتدى من منتدياتِهم, فقامتْ عليه الجاهليةُ ولم تقعد, وحاربهُ الجاهليُّون بكلِّ وحشيةٍ وضراوة, فكلُّ من شعرَ بخطورةِ كلمةِ التوحيدِ على مصالحه وقفَ أمامَها وقفةَ الأسد, واستماتَ في الصدِّ عنها والتنديدِ بخطرِها، فقد شعرَ رؤساءُ العشائرِ أنَّ هذه الكلمة ستقوضُ سُلطتَهم من القواعد, فهبوا للدفاعِ عن سُلطانهمِ المُهدد ومكانتهمُ المستهدفة, كما أحسَّ الانتهازيون بخطرٍ يتهددُ مكاسبَهم الخبيثة وأرصدتهم الحرام وثرواتِهم المُغتصبة, فاستشاطوا غضبًا وامتلؤوا حنقًا, وتدافعوا يذودونَ عن مكاسبِهم بكلِّ وحشيةٍ وقسوة, كما أحسَّ الكهنةُ والمشعوذون بخطورةِ كلمةِ التوحيد على كهانتهِم وشعوذتهم, وأنَّها ستفرُقُ الناسَ من حولهم, فكشَّروا عن أنيابِهم, وأعلنوها حربًا لا تُبقي ولا تذر, كما أحسَّ بالخطرِ ذاته عُبادُ القوميةِ المتعصّبونَ لقومياتِهم وعشائرِهم, المقدّسون لتقاليدِهم وعاداتِهم, فجُنَّ جنونُهم وظهرَ مرضُ قلوبِهم وسفاهةُ عقولهمِ بأبشعِ صورةٍ وأقبحِها, فخرجوا للدفاعِ عن عصبياتِهمُ المُنتنةِ وتقاليدهمُ البالية, كما شعرَ بالخطرِ نفسِه عُبَّادُ الشهواتِ والأهواء, فقاموا من بين أحضانِ بغاياهم ومِن على موائدِ خمورهم معلنينَ الاحتجاجَ بشدة, ومدافعينَ عن مجونِهم وسُكرهم. وبالجملةِ فقد أحسَّ عُبادُ تلكَ الأوثانِ والأصنامِ على اختلافِ صورِها وأشكالِها وتعددِ ألقابِها ومسمياتِها, أحسوا بخطورةِ كلمةِ التوحيد على مصالحهم وأطماعهم, فاتحدوا جميعًا لحربِها وحربِ رافعِ لوائها، (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ،،مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ)
فعقدَ المجرمونَ العزمَ على مقاومةِ ذلكَ الناصح الأمين ووضع العراقيلِ في طريقه, فأوذي عليه السلامُ واضطُهد, وعُذِّب وطُرد, واتُهِم بالوسوسةِ والجنون والسحرِ والكِهانةِ, ورُمي بالكذبِ وقولِ الزور, ووصفوا القرآنَ بأنَّهُ أساطيرُ الأولين, وأنَّ محمدًا تتنزلُ عليه الشياطين, حتى إذا بلغَ السيلُ الزُبى واستعصتِ النفوسُ الخبيثة على الدعوة وظهرت صلابةُ القلوبِ وسفهُ الرجالِ أذنَ اللهُ بالهجرةِ إلى المدينةِ الشريفة, فخرجَ صحابةُ رسولِ اللهِ (عليه الصلاة والسلام) فرارًا بدينهم، وخوفًا من فرعونَ وملئِه أن يفتنهم, خرجوا تاركينَ الأرضَ التي وُلدوا فيها, والبلدَ الذي نشؤوا فيه, منخلعينَ من المالِ والأهلِ والولد, فما قيمةُ المالِ والأهلِ والولد حين تُهددُ العقيدةُ وتصادرُ الحُرية؟! وما كاد يمضي طويل وقتٍ إلاَّ ورسولُ اللهِ (عليه الصلاة والسلام) يخرجُ في أثرِ أصحابه وهو يقولُ: ((واللهِ يا مكةَ، إنَّكِ لخيرُ أرضِ الله, وأحبُ أرضِ اللهِ إلى الله، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجت)).
أيّها المسلمون، إنَّ في الهجرةِ دروسًا لا تُنسى ومآثرَ لا تُطوى, ألا ما أحوجَنا إلى تذاكرِ تلك الدروس واستلهام هاتيكَ العبر في وقتٍ كشَّر العدوُّ عن أنيابه وأطلَّتِ الرويبضةُ برأسِها القبيح. ألا إنَّ من أعظمِ دروسِ الهجرةِ الشريفةِ ما يجبُ أن نُدركَه جميعًا أنَّ الغايةَ الكُبرى من الوجودِ الإنسانيِ بأسرهِ هو عمارةُ الأرضِ بالتوحيدِ والإيمان, وإقامةُ حكم اللهِ وشرعهِ في عظائمِ الأُمورِ فما دُونها, أليس اللهُ يقولُ: (إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) ؟!
إذًا فمتى تعذَّرَ تحقيقُ هذه الغايةِ فوقَ أرضٍ ما فلا بُدَّ من البحثِ عن غيرِها مهما كان الثمن, ومهما كانتِ التضحيات، أملاً في إيجادِ أرضيةٍ صالحةٍ للانطلاقةِ العُظمى ونشرِ الإسلامِ في ربوعِ الأرض وعرضِ العقيدةِ بصفائِها ونقائِها على الناسِ دون ضغطٍ أو إكراهٍ. وهكذا كان الأمرُ في مكة, فيومَ رفضَ أهلُها الإيمانَ والتوحيد وآثروا الكفرَ والتقليد أصبحتْ مكةُ بلدَ كفرٍ ودارَ حربٍ, وحُرِّمَ البقاءُ فيها, وأصبحتْ مجاورتُها مع القدرةِ على مُغادرتِها واحدةً من كبائرِ الذنوب، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) وأمَّا الدرسُ الثاني من دُروس الهجرةِ وهو ذو علاقةٍ وثيقةٍ بسابقهِ، ويوضحهُ ويجلّيهِ أنَّهُ لا قيمةَ للأرضِ ولا للوطنِ حين تفسدُ الأرضُ ويكفرُ الوطن. لقد هاجرَ النبيُ (عليه الصلاة والسلام) وأصحابهُ الوطنَ الذي تربَّوا فيه والأرضَ التي نشؤوا فوقها, وباعوها بأرخصِ الأثمانِ, واشتروا أنفسَهم وأموالَهم بأنَّ لهم الجنَّة، وفي هذا كلِّهِ صفعةٌ لكلِّ الذين يُمجّدون الأرضَ والرمال, ويُعظمونَ الصخورَ والترابَ على حسابِ العقيدةِ, حتى إنّهم ليفضلونها على جنّةِ الخُلدِ لو دخلوها، فيقولُ شاعرهم:
وطني لو شُغلتُ بالخُلدِ عنهُ نازعتني إليهِ في الخلدِ نفسي
ويقول آخر:
وطني لو صوّروهُ لي وثنًا لهممتُ ألثم ذلك الوثنا
فماذا بقيَّ لله إذًا؟! ماذا بقيَّ لله؟!
إنَّ الولاءَ ـ أيَّها المربُون ـ يَجبُ أن يكونَ للهِ وحده, فالأرواحُ لا تُبذلُ إلا في سبيلهِ, والدماءُ لا تُراقُ إلا من أجلهِ, والجهادُ لا يكونُ إلا لإعلاءِ دينهِ، أما حُبّ الوطنِ فإنَّما يَكونُ بمقدارِ حبِّ أهلهِ للإسلام وتمسكِ أهلهِ بالإسلام، وبغيرِ الإسلام تصبحُ الأوطانُ مجرّدَ أتربةٍ وحجارة, لا وزنَ لها ولا قيمة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيل) يقول النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) [مالدنا عند الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع ] ,وأمَّا الدرسُ الثالثُ من دروسِ الهجرة فبيانُهُ أنَّ هذا الدينِ لا يَقومُ إلا بالتضحيةِ والبذلِ والعطاء, إنَّهُ دينٌ لا يُعلِّقُ كبيرَ أملٍ على الكُسالى والخانعين, ولا يمنحُ شرفَ حملهِ ونُصرتهِ للمتراجعينَ والمتثاقلين, إنَّ الدينَ ليس قضية بيعٍ وشراء أو منّةً وأذى, إنَّما هو جهدٌ وعناء, وبذلٌ وعطاء, وتضحيةٌ وفداء, ودموعٌ ودماء, وجراحٌ وأشلاء. قلِّبِ النظرَ أنَّى شئتَ في تاريخِ أسلافِك: أما خُلعتْ رؤوسٌ من أجلِ هذا الدين؟! أما بُقرتْ بطونٌ؟! أما قُطِّعتْ أطرافٌ؟! أما سُحلت عيونٌ؟! قلْ: بلى, بلى, بلى. ثم اجمعْ قُواكَ يا رعاك الله، واحملْ القرآنَ في يدٍ والسنةَ في الأخرى.
وهدِّم فراشكَ رمزَ الْخمول وقمْ للجهـادِ ولا تقعـدِ
وقم للنضالِ وخوضَ القتال وشمِّر عن الساقِ والساعدِ
لقد مضتْ قوافلُ الجادين وقوافلُ المشمرين إلى ربها، بعضُها إثرَ بعض، فماذا صنعت أنتَ أيُّها الأخُ الحبيب؟! ماذا قدَّمت لدينِك وأُمتِك المُعذّبة؟! ما مقدارُ الهمِّ الذي تحملهُ في قلبِك تِجاه قضايا الإصلاحِ والتغيير؟! كم شخصا أسديتَ لهُ نصيحة أو قدّمت لهُ موعظة؟! ما جهودُكَ في بيتك تجاهَ أُمكَ وأبيك وأُختكَ وأخيك؟! هل غمرتهم بإحسانِك وخفضت لهم جناحَ الذلِّ من الرحمة؟! هل صنعتَ شيئًا ما تَقي به أهلَ بيتك نارًا وقودُها الناسُ والحجارة؟! ما دورُكَ تجاهَ جيرانك؟! هل وعظتَ واحدًا منهم؟! هل دفعتَ إليه كتابًا ينفعُهُ أو شريطًا يسمعُه؟! ألا كفى ـ يرحمكَ الله ـ تسويفًا وتثاقلاً.
وتبوّأ ـ رعاكَ اللهُ ـ لنفسك مَقعدًا في قوافلِ الدُعاةِ المخلصين، تُحشر مع الأنبياءِ والصديقين والشهداءِ الصالحين.
باركَ اللهُ لي ولكم بالقرآنِ العظيم، ونفعني وإيَّاكم بالذكر الحكيم، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله صحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ: أيّها الموحدون، فدروسُ الهجرةِ كثيرة, وعبرُها متنوعة, والمقامُ مقامُ تذكيرٍ لا مقامُ بسطٍ وتفضيل, لكنَّنا نشيرُ أخيرًا إلى أنَّ الهجرةَ ماضيةٌ إلى يومِ القيامة كلَّما حِيلَ بين الناسِ وعبادةِ ربهم.
ثُمَّ تذكروا ـ يرحمكمُ الله ـ قولَه عليه السلام: ((المهاجرُ من هَجَر ما نهى الله عنه)).
فما أحرانا اليومَ ونحنُ قد بدأنا عامًا جديدًا، ما أحرانا إلى فتحِ صفحةٍ بيضاء, نصطلحُ فيها مع اللهِ سبحانه الذي أمهلَنا كثيرًا, وصبرَ علينا طويلاً, ومنحنَا الفرصةَ تلوَ الفرصة، (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ،،أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ،،وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ،،إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) . إننا مُطالَبون جميعًا بهجرةِ ما نهى اللهُ عنه إن كُنَّا نُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر ونُوقنُ بالجنةِ والنار, وهجرة ما نهى اللهُ عنه تُطالبُ بها الأمةُ كلُها من أعلى القمةِ إلى أسفلِ القاع؛ فالأمةُ كُلها تستقلُ سفينةً واحدة, فليسَ لأحدٍ أن يخرقَ في نصيبهِ خرقًا, فمتى خُرقت السفينةُ أو عُقرت الناقةُ فويلٌ للعربِ من شرٍ قد اقترب. إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.
ومحمد (عليه الصلاة والسلام) أمره الله أن يقتدي بمن مضى من قبله: (أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ) . وكان يصوم يوم عاشورا أهل الجاهلية في جاهليتهم، فكان محمد قبل البعثة يصومه مع قريش، وصامه في المدينة، فلما افترض عليه رمضان، لم يلزم الناس بصومه، وخيرهم بين صومه وفطره لكنه (عليه الصلاة والسلام) صامه إلى أن لقي ربه.
وكذا اليهود يصومون هذا اليوم، فسألهم فقالوا: يوم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى فنحن نصومه، فقال (عليه الصلاة والسلام) : ((نحن أحق وأولى بموسى منكم)) نعم، محمد وأمته أولى الناس بموسى، فهم آمنوا بجميع أنبياء الله، (إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ) . فصامه (عليه الصلاة والسلام) وأمر الناس بصيامه، من باب التطوع لا من باب الفرض، كان قبل أن يفرض رمضان أمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان صار من صامه فحسن، ومن لم يصمه فلا شيء عليه، لكنه (عليه الصلاة والسلام) رغّب في صيامه، فيروي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: ما رأيت النبي (عليه الصلاة والسلام) صام يوماً يتحرّى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يوم عاشوراء ، وقال أبو قتادة: سمعت رسول الله(عليه الصلاة والسلام) يقول: ((صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية))
ورسول الله (عليه الصلاة والسلام) في آخر حياته لما أخبر أن اليهود والنصارى يصومونه قال: ((لئن عشت إلى قابل إن شاء الله لأصومن التاسع)) ، ولكنه توفي قبل أن يصومه (عليه الصلاة والسلام) ، وقال للمسلمين: ((صوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده، خالفوا اليهود))
إذاً فالمسلم يصوم يوم العاشر، ويصوم يوماً قبل العاشر، أو يصوم يوماً بعد العاشر، وإن جمع الأيام الثلاثة كلها فحسن وأنه. (عليه الصلاة والسلام) قال: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل))
اللهُمَّ إنَّا نسألُك إيمانًا يُباشرُ قُلوبنا ويقينًا صادقًا وتوبةً قبلَ الموتِ وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة ولا فتنةً مُضلة. اللهُمَّ زينَّا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مُهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروفِ آمرين، وعن المُنكرِ ناهين يا ربَّ العالمين.
ألا وصلوا وسلِّموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين وقائد الغُرِّ المُحجلين، وعلى آلهِ وصحابته أجمعين، وارض اللهُمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي...
موقع طريق الدعوة
www.tttt4.com
|